لماذا نتوق إلى المعنى؟
لا نريد مجرد البقاء على قيد الحياة، بل نريد أن تكون حياتنا موضوع. يظهر هذا الشوق في كل ثقافة، وفي كل عصر، وفي كل حياة بشرية. وهو يثير سؤالاً لا يمكن لأي تفسير بيولوجي أن يجيب عليه بشكل كامل: من أين يأتي هذا التعطش للمعنى؟
الجوع العالمي
كان فيكتور فرانكل طبيباً نفسياً نمساوياً نجا من معسكرات الاعتقال النازية في أوشفيتز وداخاو. فقد زوجته وشقيقه ووالديه في المحرقة. وفي خضمّ حياته المدمرة، أدلى بملاحظةٍ شكّلت علم النفس منذ ذلك الحين: الدافع الإنساني الأساسي ليس السعي وراء اللذة أو تجنّب الألم، بل هو البحث عن المعنى.
في كتابه الرائد بحث الإنسان عن المعنى, وثّق فرانكل أمراً لافتاً للنظر. فقد نجا السجناء الذين احتفظوا بإحساسهم بالهدف - حتى في أحلك الظروف اللاإنسانية - بنسب أعلى من أولئك الذين فقدوه. واقتبس فرانكل عن نيتشه قوله: "من يملك سبباً للعيش، يستطيع تحمّل أيّ شيء تقريباً". وخلص فرانكل إلى أن التوق إلى المعنى ليس ترفاً، بل هو ضرورة بيولوجية ونفسية.
سي إس لويس وحجة الرغبة
لاحظ سي إس لويس، الباحث الأدبي بجامعة أكسفورد والمدافع عن المسيحية، شيئًا مختلفًا ولكنه لا يقل عمقًا: كل جوع طبيعي يشير إلى إشباع حقيقي. فالجوع موجود لوجود الطعام، والعطش موجود لوجود الماء، والشوق إلى الحب موجود لأن الحب حقيقي.
قام لويس بتوسيع هذا المنطق ليشمل المعنى: إذا كان البشر يعانون بشكل عام من تعطش للمعنى لا يرضيه شيء في العالم المادي بشكل كامل - لا النجاح المهني، ولا العلاقات، ولا المتعة، ولا حتى طول العمر - فهل يشير هذا التعطش نفسه إلى شيء يتجاوز المادي؟
كتب: “"إذا وجدت في نفسي رغبة لا يمكن لأي تجربة في هذا العالم أن تشبعها، فإن التفسير الأكثر ترجيحاً هو أنني خُلقت لعالم آخر."”
هذا ليس دليلاً قاطعاً، بل هو مجرد ملاحظة تستحق أن تؤخذ على محمل الجد.
ما لا يستطيع المذهب المادي تفسيره
من وجهة نظر مادية بحتة، يُعدّ المعنى وهمًا، خيالًا مفيدًا يبنيه الدماغ لتحفيز السلوك. نشعر بأن لحياتنا قيمة، ولكن في كون تحكمه قوى فيزيائية عمياء، لا شيء ذو قيمة موضوعية. وقد وصف الفيلسوف ألبير كامو هذا بالعبثية الجوهرية للحالة الإنسانية: فنحن كائنات تبحث عن معنى في كون لا يقدم أي معنى.
لكن هنا يصبح النقاش مثيرًا للاهتمام. إذا كان المعنى مجرد بناء دماغي، فلماذا يبدو أكثر من مجرد معنى؟ لماذا يُعدّ غياب المعنى - الذي يُعاش على شكل اكتئاب أو يأس أو انعدام هدف - حرمانًا حقيقيًا، وليس مجرد رأي مؤسف؟ لماذا لا نُعدّل توقعاتنا ببساطة لتتوافق مع كونٍ بلا معنى؟
حقيقة أننا لا يمكن إن مجرد قبول انعدام المعنى - أي أن الجوع يستمر حتى عندما نتبنى العدمية فكرياً - قد يكون في حد ذاته بيانات تستحق الدراسة.
السؤال الذي يقود إلى الأمام
إنّ التوق إلى المعنى ليس نهاية هذا الاستكشاف، بل هو البداية. فإذا لم نكن نحن من نخلق المعنى، بل نحن من نكتشفه، وإذا كان شيئاً حقيقياً نتجه نحوه لا شيئاً نخترعه، فإن السؤال التالي يصبح: أي نوع من الكون يسمح بذلك؟
لا توجد إجابة سريعة لهذا السؤال، لكنه ليس سؤالاً يمكن تجاهله. فقد تناوله أعظم المفكرين في الفلسفة - من أفلاطون إلى أرسطو، ومن أوغسطين إلى كانط، ومن فرانكل إلى الفيلسوف المعاصر تشارلز تايلور - باعتباره جوهرياً لفهم معنى الإنسانية.
قد يكون هذا أهم سؤال تطرحه على الإطلاق.
